وهبة الزحيلي
201
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أن الآية محكمة وثابتة في سائر الأحكام غير منسوخة ، وأن الحاكم مخير ، وهي مخصوصة في المعاهدين الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة ، فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك . أما أهل الذمة فيجب على حاكم المسلمين أن يحكم بينهم إذا تحاكموا إليه ، لكن في رأي مالك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن لا يحد الذميون حد الزنى . ورأى الشافعي وأبو يوسف : أنهم يحدون إن أتوا راضين بحكمنا . وذهب أبو حنيفة والنخعي وعمر بن عبد العزيز إلى أن التخيير المذكور في الآية منسوخ بقوله تعالى : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وأن على الحاكم أن يحكم بين أهل الذمة . وهو رأي ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة . قال مجاهد : لم ينسخ من المائدة إلا آيتان : قوله : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ نسختها : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ؛ وقوله : لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [ المائدة 5 / 2 ] نسختها : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التوبة 9 / 5 ] . قال الرازي : احتج جماعة من الحنفية بهذه الآية : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ على أن حكم التوراة وشرائع من قبلنا لازم علينا ، ما لم ينسخ ، وهو ضعيف ، ولو كان كذلك لكان حكم التوراة كحكم القرآن في وجوب طلب الحكم منه ، لكن الشرع نهى عن النظر فيها ، بل المراد هذا الأمر الخاص وهو الرجم ؛ لأنهم طلبوا الرخصة بالتحكيم « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير الرازي : 11 / 236